صالح حميد / عبد الرحمن ملوح
2064
موسوعة النضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم ( ص )
ذلك بالضّرب وغيره ، ويمنعه شهواته الّتي تعود بضرره ، ومتى أهمل ذلك من ولده كان لقلّة رحمته به ، وإن ظنّ أنّه يرحمه ويرفّهه ويريحه . فهذه رحمة مقرونة بجهل ولهذا كان من تمام رحمة أرحم الرّاحمين تسليط أنواع البلاء على العبد ، فابتلاؤه له وامتحانه ومنعه من كثير من أغراضه وشهواته : من رحمته به . الابتلاء من صور رحمة اللّه بعباده : قال ابن القيّم : ومن رحمته سبحانه : ابتلاء الخلق بالأوامر والنّواهي رحمة لهم وحميّة لا حاجة منه إليهم بما أمرهم به . ومن رحمته : أن نغّص عليهم الدّنيا وكدّرها ؛ لئلّا يسكنوا إليها ولا يطمئنّوا إليها ويرغبوا عن النّعيم المقيم في داره وجواره ، فساقهم إليها بسياط الابتلاء والامتحان فمنعهم ليعطيهم ، وابتلاهم ليعافيهم ، وأماتهم ليحييهم . ومن رحمته بهم : أن حذّرهم نفسه ؛ لئلّا يغترّوا به فيعاملوه بما لا تحسن معاملته به . ومن رحمته أن أنزل لهم كتبا ، وأرسل لهم الرّسل لكنّ النّاس افترقوا إلى فريقين ؛ فأمّا المؤمنون : فقد اتّصل الهدى في حقّهم بالرّحمة فصار القرآن لهم هدى ورحمة . وأمّا الكافرون : فلم يتّصل الهدى بالرّحمة فصار لهم القرآن هدى بلا رحمة . وهذه الرّحمة المقارنة للهدى في حقّ المؤمنين رحمة عاجلة وآجلة ، فأمّا العاجلة فما يعطيهم اللّه في الدّنيا من محبّة الخير والبرّ وذوق طعم الإيمان ووجدان حلاوته ، والفرح والسّرور والأمن والعافية . قال تعالى : قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ ( يونس / 58 ) فأمرهم - عزّ وجلّ - بأن يفرحوا بفضله ورحمته ، فهم يتقلّبون في نور هداه ويمشون به في النّاس ويرون غيرهم متحيّرا في الظّلمات ، فهم أشدّ الناس فرحا بما آتاهم ربّهم من الهدى والرّحمة . وغيرهم جمع الهمّ والغمّ والبلاء والألم والقلق والاضطراب مع الضّلال والحيرة . وهذه الرّحمة الّتي تحصل للمهتدين تكون بحسب هداهم ، فكلّما كان نصيب الواحد من الهدى أتمّ كان حظّه من الرّحمة أوفر ، فتجد الصّحابة كانوا أرحم الأمّة كما قال تعالى : مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ ( الفتح / 29 ) . والصّدّيق أرحم الأمّة بالأمّة ، فقد جمع اللّه له بين سعة العلم وسعة الرّحمة . وهكذا الرّجل كلّما اتّسع علمه اتّسعت رحمته . وقد وسع ربّنا كلّ شيء رحمة وعلما فوسعت رحمته كلّ شيء ، وأحاط بكلّ شيء علما ، فهو أرحم بعباده من الوالدة بولدها ، بل هو أرحم بالعبد من نفسه ، كما هو أعلم بمصلحة العبد من نفسه « 1 » . [ للاستزادة : انظر صفات : الرأفة - الرفق - الحنان - الشفقة - العطف - المحبة - التيسير - تفريج الكربات - حسن العشرة - حسن المعاملة . وفي ضد ذلك : انظر صفات : القسوة - العنف - سوء المعاملة - العتو - التعسير - الجفاء - الطغيان ] .
--> ( 1 ) بتصرف شديد من إغاثة اللهفان ( 2 / 172 - 175 ) . انظر حكمة الابتلاء بالضراء في المجلد الأول ص 12 .